arabic.people.com.cn · Mar 2, 2026 · Collected from GDELT
Published: 20260302T093000Z
شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا مفاجئًا على إيران في نهاية الأسبوع الماضي، أسفر عن مقتل المرشد الأعلى خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، ما دفع الوضع في الشرق الأوسط إلى هاوية خطيرة. ومما زاد صدمة المجتمع الدولي أن هذا الهجوم شُنّ خلال المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية، ما دفع الكثير من المحللين إلى الاعتقاد بأن طهران تعرّضت لـ«خديعة سياسية». والأشد إثارةً للجدل أن واشنطن وتل أبيب أعلنتا صراحةً استهدافهما رأسَ دولة ذات سيادة، ولوّحتا بإمكانية تغيير النظام، بل قدّمتا ذلك بوصفه «إنجازًا». وتعد هذه الأعمال ازدراء صارخة وانتهاك صارخ لأبسط قواعد العلاقات الدولية. مهما بلغت دقة تخطيط الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن مسارات الحروب تبقى بطبيعتها معقّدة وغير قابلة للضبط الكامل. إذ أن الصراع أشبه بدوامة هائلة، ومن يقع فيها، لا يستطيع التنبؤ بمصيره. ويؤكد تاريخ الشرق الأوسط أن التصعيد المحدود قد يتحوّل سريعًا إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق بفعل تشابك الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. وفي هذا السياق، يُحتمل أن تؤدي التطورات الأخيرة في إيران والمنطقة إلى تداعيات تتجاوز الإطار الثنائي للصراع. فقد حذّر عدد من الباحثين في مراكز أبحاث بريطانية من أن مثل هذا التصعيد قد يسهم في توسيع نطاق المواجهة، وتعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وزيادة تدفقات اللاجئين، فضلًا عن تهيئة بيئة مواتية لصعود جماعات متطرفة وتكاثر الجماعات المسلحة، مما قد يُشعل "دورة كارثية أخرى من الصراع". في الواقع، أسفرت التصرفات المتهورة للولايات المتحدة وإسرائيل عن سلسلة من ردود الفعل المتسارعة والمخاطر التي تتفاقم بسرعة. وأسفرت الهجمات عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين الإيرانيين، وامتد القتال من إيران وإسرائيل إلى دول مجاورة مثل البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر. على إثر ذلك، أُجبر مطار دبي على الإغلاق، فيما غطى الدخان فندق برج العرب الشهير. ومع إغلاق مضيق هرمز، باتت إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل النقل البحري في حالة من عدم اليقين. وقد بات الوقف الفوري للعمليات العسكرية لمنع انتشار الصراع وتداعياته، وتفادي تصعيد الموقف إلى مستوى قد يصبح خارجًا عن السيطرة أولوية ملحة وإجماعاً عاماً من المجتمع الدولي. وتأمل معظم الدول عموماً أن تتمكن الأطراف المعنية من إيجاد سبيل لتهدئة الموقف عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية في أسرع وقت ممكن. كما تأمل معظم الدول أن تشهد نقطة تحول حاسمة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تُمهد لاستئناف الحوار السياسي، وتُسهم في السيطرة على المخاطر المتصاعدة. وإن تحقيق هذا الهدف سيُسهم بشكل كبير في تفادي التحوّل المحتمل للاضطرابات الجيوسياسية إلى أزمة اقتصادية وأمنية دولية أوسع نطاقاً. يكشف هذا الهجوم الأحادي عن اتجاه مقلق للغاية. لم يكن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران "استثناءً"، بل يمثل نتيجة حتمية لتطبيق بعض الدول لقانون الغاب على مدى سنوات طويلة. قبل عدة سنوات، تجاوزت الولايات المتحدة سلطة الأمم المتحدة، وشرعت في شن حروب في أفغانستان والعراق، وفرضت عقوبات أحادية الجانب بشكل تعسفي، ومارست سلطتها القضائية خارج حدودها الإقليمية. ولم يقتصر الأمر على ترك حرب ومعاناة لا نهاية لهما في تلك المناطق، بل أدى أيضًا إلى تآكل النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة بشكل خطير، وزعزع المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية. بعد أكثر من عقدين من الزمن، لم تختفِ هذه الأعمال الأحادية، بل عادت للظهور، مما يؤدي باستمرار إلى أزمات إنسانية جديدة، وهو أمر مفجع حقًا. إذا ما ساد قانون الغاب في عالمنا اليوم، وقُبل منطق افتراس القوي للضعيف ضمنيًا، فسيكون ذلك أكثر من مجرد كارثة إقليمية. فإذا ما أصبحت "الضربات الاستباقية" مبررًا لتجاوز الأمم المتحدة، وتجاهل القنوات الدبلوماسية، واللجوء إلى القوة ضد الدول الأخرى كيفما شاءت، فإن النظام الدولي الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تُعد الأمم المتحدة جوهره، سيصبح مجرد إجراء شكلي. تصوّروا، عندما تُفرض عقوبات أحادية الجانب وتُشن ضربات عسكرية تتجاوز ميثاق الأمم المتحدة تعسفًا، وعندما تتجاهل القوى الكبرى أرواح المدنيين وتُشعل بلا مبالاة براميل بارود إقليمية لمصالحها الأنانية، فإن المآسي التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط قد تتكرر في أي مكان في العالم غدًا، وسيصبح أمن أي دولة أمرًا مستبعدًا. وإن المجتمع الدولي في حاجة ماسة إلى إعلاء صوته بشكل واضح وأكثر حسما ضد انزلاق العالم إلى قانون الغاب. وينبغى أن يكون هذا هو الإجماع الأقوى في المجتمع الدولي اليوم. تُبرز التغيرات الجذرية في الشرق الأوسط الحاجة المُلحة والأهمية القصوى لتعزيز إصلاح نظام الحوكمة العالمية. وتؤكد هذه التغيرات مجددًا أن المساواة في السيادة هي حجر الزاوية للسلام الدولي، بينما يُعدّ التعصب الأحادي واستغلال الضعفاء السببين الرئيسيين للصراع وعدم الاستقرار. ويُمثل التسلط المهيمن من قِبل عدد قليل من الدول ومجموعات الدول، استنادًا إلى ما يُسمى بقوتها ومكانتها، أكبر عامل مُزعزع للنظام الدولي الراهن. لماذا يتصرفون بهذه القسوة؟ يكمن أحد الأسباب الرئيسية في ضعف القيود التي يفرضها النظام الدولي القائم. فلو كان حكم القانون الدولي أكثر تكاملًا، ولو مارست الدول التعددية الحقيقية بشكل أكثر فاعلية، ولو اقترن السلوك المهيمن بضغط دولي قوي وتحمل تكاليف سياسية باهظة، لكان العالم أقرب إلى الإنصاف والعدالة. منذ انهيار النظام الاستعماري وحتى نهاية الحرب الباردة، ثم إلى الصعود الجماعي لدول الجنوب العالمي، يُعدّ التوجه نحو التعددية القطبية وديمقراطية العلاقات الدولية تيارًا لا رجعة فيه في هذا العصر. لم يعد لقانون الغاب مستقبل، والهيمنة غير مرغوبة. يحتاج المجتمع الدولي إلى مزيد من التكاتف، وإرساء العدالة، والدفاع عن سيادة القانون، وممارسة التعددية للقضاء التام على بيئة خصبة لسياسات القوة. الشرق الأوسط، أرضٌ مزقتها الحروب والمعاناة، يتوق إلى السلام والطمأنينة الحقيقيين.