addustour.com · Feb 23, 2026 · Collected from GDELT
Published: 20260223T233000Z
بعض القادة كلماتهم تكشف ما يسكن خلفها من هواجس. هكذا يظهر من حديث بنيامين نتنياهو عن «تحالف سداسي» يطوّق الشرق الأوسط من الهند إلى المتوسط، فهو لم يكن يرسم مجرد شبكة مصالح، بل كان يرسم خريطة قلق. فالأحلاف الكبرى لا تولد عادة من فائض الطمأنينة، بل من شعور عميق بأن العالم يتغيّر أسرع مما تستطيع دولة واحدة احتماله وحدها. التحالف المقترح، الذي يضم إسرائيل وناريندرا مودي ودولا أوروبية ومتوسطية وأخرى عربية وآسيوية، يُقدَّم بوصفه ممرا تجاريا وأمنيا جديدا، وركيزة لشرق أوسط «ما بعد إيران». لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الدول المشاركة، بل في الفلسفة التي تحكم الفكرة، وهي تحويل المنطقة من فضاء صراعات سياسية قابلة للحل إلى مسرح أحلاف صلبة تُعيد تعريف الأصدقاء والأعداء على أساس هندسة جيو-اقتصادية وأمنية طويلة الأمد. في هذا الطرح، تُختزل المنطقة إلى خطوط نقل وطاقة وأمن سيبراني. تصبح غزة تفصيلا، وفلسطين ملفا مجمّدا، وتاريخ الصراع مجرد ضجيج جانبي أمام «تدفق التجارة». هذا التحول في مركز الثقل، من السياسة إلى الممرات، يعني أن العدالة لم تعد شرط الاستقرار، بل أن الاستقرار يمكن بناؤه فوق طبقات من الظلم المجمد. وهنا يكمن التحول الأخطر، وهو انتقال الشرق الأوسط من صراع على الحقوق إلى صراع على الخرائط. لكن القراءة الأعمق تكشف مفارقة: التحالف الذي يُفترض أنه تعبيرا عن قوة، يحمل في جوهره اعترافا بالهشاشة. فالدول الواثقة لا تحتاج إلى تطويق المكان؛ هي تطمئن داخله. أما حين يصبح الخطاب كله عن المحاور والتطويق واحتواء «الراديكالية»، فذلك يعني أن الخوف أصبح مبدأ تنظيميا للسياسة. الخوف من إيران، من تركيا، من الإسلام السياسي، من الفوضى، من المستقبل.. حتى يبدو الشرق الأوسط في هذا التصور حيّزا تهديديا دائما يحتاج إلى شبكة أمان متعددة العقد. الأخطر أن مثل هذه الأحلاف لا تُنشئ فقط توازنات، بل تصنع استقطابات جديدة. فأي محور يضم إسرائيل والهند وقوى متوسطية وأوروبية لن يمر دون رد من قوى تشعر بأن المجال يُسحب من تحت أقدامها، خصوصا إيران وتركيا. وهكذا يتحول التحالف، بدل أن يكون جسرا، إلى خط صدع إضافي في منطقة تعيش أصلا على شقوق تاريخية مفتوحة. ثم هناك البعد الأكثر إنسانية: ماذا يحدث للإنسان العادي حين يُعاد تصور الشرق الأوسط كشبكة ممرات؟ في منطق الأحلاف، البشر يعيشون داخل المكان، لكن المكان لا يعيش داخلهم. تختفي المدن الحقيقية خلف خطوط على الخرائط، وتتحول الشعوب إلى «مخاطر محتملة» أو «شركاء محتملين». هكذا يُعاد إنتاج المنطقة بلغة أمنية - تقنية تُجرّدها من حكاياتها، وتستبدل الذاكرة باللوجستيات. قد يبدو التحالف السداسي، في ظاهره، مشروعا استراتيجيا طبيعيا في عالم يتجه إلى التكتلات. لكن في عمقه، هو إعلان مرحلة جديدة: شرق أوسط تُدار أزماته لا بحلها بل بتجاوزها، وتُبنى تحالفاته لا على المصالحة بل على التطويق. وهذه ليست مجرد هندسة سياسية، بل هندسة نفسية أيضا، مبنية على أساس إعادة تشكيل إدراك المنطقة لنفسها كمساحة خوف متبادل يحتاج دائما إلى دروع إضافية. ولهذا، فإن أخطر ما في الفكرة ليس من سينضم إليها، بل الفكرة التي تهمس بها: أن المستقبل في الشرق الأوسط لن يُبنى بإنهاء الصراعات، بل بإحاطتها بشبكة مصالح تجعلها قابلة للتعايش. وهذا تعريف مختلف تماما للاستقرار، استقرار لا يقوم على العدالة، بل على إدارة الخوف. جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.