
youm7.com · Feb 22, 2026 · Collected from GDELT
Published: 20260222T141500Z
تمثل الأزمة الإيرانية واحدة من أكثر القضايا استعصاءً وتعقيدًا في السياسة الدولية المعاصرة، ليس فقط بسبب طول أمدها أو كثرة الأطراف المتداخلة فيها، بل لأنها أصبحت انعكاسًا مباشرًا للتحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي في مرحلة انتقالية مضطربة. فهذه الأزمة لم تعد قابلة للفهم باعتبارها خلافًا تقنيًا حول برنامج نووي أو توترًا سياسيًا تقليديًا بين دولة وقوى كبرى، وإنما باتت عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها صراعات النفوذ الإقليمي، وأزمات الردع الدولي، وحدود القوة في عالم لم تعد تحكمه قواعد مستقرة كما كان الحال خلال العقود السابقة. منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، دخلت إيران في مسار تصادمي واضح مع النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو تصادم لم يكن ناتجًا عن خلافات سياسية عابرة أو سوء إدارة دبلوماسية، بل عن تعارض بنيوي عميق بين تصورين مختلفين لطبيعة النظام العالمي ودور الدولة داخله. فقد طرحت إيران مشروعًا أيديولوجيًا يرى في النظام الدولي الليبرالي إطارًا للهيمنة الغربية لا منظومة محايدة لتنظيم العلاقات بين الدول، واعتبرت أن الاستقلال الحقيقي يمر عبر مقاومة هذا النظام أو على الأقل عدم الخضوع لقواعده غير المتكافئة. هذا التصور الأيديولوجي وضع إيران منذ البداية في موقع الدولة الإشكالية، حتى في الفترات التي حاولت فيها اعتماد خطاب أكثر براغماتية أو الانفتاح على التفاوض. فالإشكالية لم تكن في السياسات وحدها، بل في طبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه، الذي قدّم نموذجًا بديلًا للشرعية السياسية يتحدى المفهوم الغربي للدولة القومية والعلاقة بين السلطة والمجتمع. ومع مرور الوقت، تكرس هذا التعارض بوصفه عنصرًا ثابتًا في العلاقة بين إيران والغرب، يتجاوز تبدّل الحكومات أو تغيّر التكتيكات الدبلوماسية. غير أن التحول الأهم في مسار الأزمة الإيرانية تمثل في انتقال إيران من دولة ثورية محاصَرة إلى قوة إقليمية فاعلة تمتلك أدوات تأثير متعددة. فقد نجحت طهران، خاصة بعد مطلع الألفية الجديدة، في استثمار الفراغات الاستراتيجية التي خلّفتها الحروب والتدخلات العسكرية الأجنبية في الشرق الأوسط، وبناء شبكة نفوذ إقليمي عابرة للحدود. هذا النفوذ لم يكن قائمًا على السيطرة المباشرة أو الاحتلال، بل على مزيج من التحالفات السياسية، والدعم العسكري، والارتباطات الأيديولوجية، ما منح إيران قدرة على التأثير تفوق بكثير وزنها الاقتصادي أو التكنولوجي. هذا الصعود الإقليمي عزز من مكانة إيران التفاوضية، لكنه في الوقت ذاته زاد من حدة المخاوف الدولية تجاه طموحاتها بعيدة المدى. فقد بات يُنظر إلى إيران باعتبارها فاعلًا يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، لا مجرد دولة تدافع عن أمنها القومي. ومع تزايد نفوذها في مناطق متعددة، تعمقت الصورة النمطية عنها كقوة توسعية، وهي صورة لعبت دورًا مهمًا في تبرير سياسات الاحتواء والعقوبات المفروضة عليها. في قلب هذا المشهد المعقد، يحتل البرنامج النووي الإيراني موقعًا محوريًا، لكنه في جوهره ليس سوى تجلٍّ لصراع أعمق حول الردع والسيادة ومكانة الدولة في النظام الدولي. فإيران تنظر إلى تطوير قدراتها النووية، حتى وإن لم تصل إلى إنتاج سلاح نووي فعلي، بوصفه أداة استراتيجية لتعزيز أمنها القومي في بيئة إقليمية شديدة العدائية، ورسالة ردع في مواجهة قوى تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واضحًا. من هذا المنظور، لا يُقرأ البرنامج النووي الإيراني باعتباره مشروعًا عسكريًا بالضرورة، بل كوسيلة لإعادة التوازن في معادلة ردع غير متكافئة. في المقابل، ترى القوى الغربية أن اقتراب إيران من العتبة النووية يشكل تهديدًا مباشرًا لنظام عدم الانتشار النووي، ويقوض مصداقية أحد أهم أركان النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. كما تخشى هذه القوى من أن يؤدي امتلاك إيران لقدرات نووية متقدمة إلى إطلاق سباق تسلح إقليمي في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار العالمي وأسواق الطاقة والممرات الاستراتيجية. هذا التناقض الجذري في الرؤى جعل الملف النووي يتحول إلى ساحة مواجهة سياسية واستراتيجية مفتوحة، حيث لم تعد المسألة محصورة في مستويات التخصيب أو آليات التفتيش، بل أصبحت مرتبطة بحدود ما يمكن قبوله أو منعه في سلوك دولة إقليمية صاعدة. ولهذا السبب، ظلت الاتفاقات النووية المؤقتة عاجزة عن إنتاج حل مستدام، لأنها عالجت الجوانب التقنية للأزمة دون أن تلامس جوهرها المتعلق بموقع إيران في النظام الدولي وحدود نفوذها الإقليمي. على المستوى الإقليمي، تبنت إيران نموذجًا خاصًا لإدارة قوتها، يقوم على النفوذ غير المباشر وإدارة الصراعات بدل حسمها. هذا النموذج أتاح لها بناء ما يشبه العمق الاستراتيجي الممتد، الذي يسمح بنقل خطوط الاشتباك بعيدًا عن حدودها الجغرافية، ويمنحها أوراق ضغط متعددة في مواجهة خصومها. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها التكتيكية، أسهمت في تعميق حالة الاستقطاب الإقليمي، ورسخت صورة إيران كقوة مهدِّدة للاستقرار في الخطاب السياسي والإعلامي للدول المناوئة لها. وتُعد العلاقة بين إيران وإسرائيل أحد أكثر مظاهر هذا الاشتباك الإقليمي تعقيدًا وخطورة. فالصراع بين الطرفين لم يعد يقتصر على التهديدات المتبادلة أو الخطاب العدائي، بل تطور إلى حرب ظل طويلة تشمل عمليات استخباراتية، وضربات غير معلنة، وهجمات سيبرانية، وصراعًا مفتوحًا على النفوذ في ساحات إقليمية متعددة. هذا النمط من الصراع يعكس إدراكًا متبادلًا لكلفة الحرب الشاملة، لكنه في الوقت ذاته يخلق بيئة شديدة الهشاشة، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب أن يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع. في هذا السياق، لا يمكن فهم الموقف الدولي من الأزمة الإيرانية بمعزل عن التحولات الأوسع في ميزان القوى العالمي. فالعالم يشهد تراجعًا تدريجيًا في قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها بشكل حاسم، وصعود فاعلين إقليميين يمتلكون هامشًا أوسع للمناورة. هذا الواقع جعل من الأزمة الإيرانية نموذجًا لصراع تُدار فيه التوازنات بحذر، دون حسم نهائي، ودون قدرة أي طرف على فرض حل شامل. في هذا الإطار الدولي المتحوّل، يظل الموقف الأمريكي من الأزمة الإيرانية هو الأكثر تأثيرًا في تحديد مساراتها وحدودها. فالولايات المتحدة، بصفتها القوة الكبرى الأكثر انخراطًا تاريخيًا في الشرق الأوسط، تدرك أن إيران ليست خصمًا تقليديًا يمكن ردعه بالقوة العسكرية وحدها، ولا حليفًا محتملًا يمكن استيعابه عبر الدبلوماسية الكلاسيكية. ومن هنا، تشكلت السياسة الأمريكية تجاه إيران على قاعدة مركّبة تجمع بين الردع والاحتواء، مع السعي الدائم إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مباشرة واسعة النطاق. تدرك واشنطن أن أي حرب شاملة مع إيران ستكون عالية الكلفة على المستويين العسكري والسياسي، ولن تضمن تحقيق أهداف حاسمة، خاصة في بيئة إقليمية تتسم بتشابك الصراعات وتعدد الفاعلين غير الدولتيين. كما أن التجارب الأمريكية السابقة في المنطقة، ولا سيما في العراق وأفغانستان، خلّفت إرثًا ثقيلًا من الشكوك حول جدوى التدخلات العسكرية المباشرة، وهو ما جعل صناع القرار الأمريكي أكثر ميلًا إلى إدارة الأزمات بدل السعي إلى حسمها بالقوة. يتعزز هذا التوجه في ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات استراتيجية أخرى ذات أولوية أعلى، وعلى رأسها المنافسة الجيوسياسية مع الصين، وإدارة تداعيات الحرب في أوروبا الشرقية، وما تفرضه من التزامات عسكرية واقتصادية. في هذا السياق، لم تعد إيران تمثل التهديد الأول للأمن القومي الأمريكي، لكنها تظل عاملًا معطِّلًا للاستقرار الإقليمي، ما يفرض استمرار سياسة الضغط والاحتواء دون الذهاب إلى خيارات قصوى. في المقابل، تقف أوروبا أمام معادلة أكثر تعقيدًا وهشاشة. فهي من جهة ترى في استمرار الأزمة الإيرانية خطرًا مباشرًا على أمنها الطاقوي واستقرار جوارها الجنوبي، ومن جهة أخرى تفتقر إلى القدرة على صياغة سياسة مستقلة فعليًا عن الموقف الأمريكي. هذا العجز البنيوي جعل الدور الأوروبي في الأزمة أقرب إلى دور الوسيط القلق منه إلى دور الفاعل الحاسم، حيث ينحصر تأثيره في محاولات منع التصعيد والحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الحوار. وتزداد صعوبة الموقف الأوروبي مع تراجع هامش المناورة الاقتصادي والسياسي، خاصة في ظل أزمات الطاقة والتضخم، ما يقلل من استعداد العواصم الأوروبية لتحمل كلفة مواجهة مفتوحة مع إيران أو تقديم حوافز اقتصادية كبيرة قد تُفسَّر داخليًا على أنها تنازل غير مبرر. وبهذا، يبقى الدور الأوروبي محدود التأثير، رغم إدراكه العميق لخطورة استمرار الأزمة دون أفق تسوية واضح. على الضفة الأخرى من المشهد الدولي، تتعامل كل من روسيا والصين مع إيران من منظور براغماتي بحت، تحكمه حسابات المصالح لا الالتزامات الأيديولوجية. فروسيا ترى في إيران شريكًا مهمًا في مواجهة الضغوط الغربية وفي إعادة تشكيل توازنات النفوذ الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته تحرص على ألا تتحول هذه الشراكة إلى تحالف استراتيجي كامل قد يقيّد حريتها في المناورة أو يخلق منافسًا قويًا لها في مجالات حساسة مثل الطاقة. أما الصين، فتنظر إلى إيران بوصفها عنصرًا محوريًا في معادلة أمن الطاقة وأحد المسارات المهمة لمبادرة الحزام والطريق. وبالنسبة لبكين، لا تمثل إيران حليفًا أيديولوجيًا بقدر ما هي شريك اقتصادي واستراتيجي محتمل، تسعى إلى الاستفادة من موقعه الجغرافي وموارده، مع الحرص في الوقت ذاته على تجنب أي تصعيد قد يهدد الاستقرار الإقليمي ويعرّض المصالح الصينية للخطر. في ظل هذه التوازنات المعقدة، تشير التطورات الراهنة إلى أن الأزمة الإيرانية دخلت مرحلة جديدة تتسم بتراجع فرص الحلول الشاملة، وصعود منطق الردع المتبادل وإدارة المخاطر. فقد أصبح واضحًا أن العودة إلى الاتفاق النووي بصيغته السابقة لم تعد خيارًا واقعيًا في ظل تغير السياقات السياسية والإقليمية، وأن أي تسوية مستقبلية، إن وُجدت، ستكون جزئية ومؤقتة، تهدف إلى تجميد التصعيد لا إلى معالجة جذور الأزمة. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى مختلف الأطراف بأن كلفة الحسم أعلى من كلفة الإبقاء على الأزمة في مستوى يمكن التحكم فيه. غير أن هذا النمط من الإدارة يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ يجعل المنطقة تعيش في حالة توتر دائم، ويزيد من احتمالات الانزلاق غير المقصود إلى مواجهات أوسع نتيجة سوء تقدير أو حادث مفاجئ. في ضوء هذا الواقع، تبدو السيناريوهات المستقبلية للأزمة الإيرانية محصورة بين ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتمثل في استمرار سياسة الاحتواء طويل الأمد، حيث تبقى العقوبات والضغوط قائمة، مع تجنب التصعيد العسكري المباشر. الثاني يقوم على تصعيد محدود ومحسوب عبر أدوات غير تقليدية، مثل الضربات السيبرانية أو العمليات غير المعلنة، دون كسر الخطوط الحمراء الكبرى. أما الثالث، فيتمثل في تسويات مرحلية مؤقتة تخفف حدة التوتر دون أن تقدم حلًا جذريًا للصراع وفي جميع هذه السيناريوهات، يظل عنصر عدم اليقين حاضرًا بقوة، نظرًا لطبيعة الصراع وتعدد مستوياته وتشابك أطرافه. فالأزمة الإيرانية ليست أزمة يمكن احتواؤها نهائيًا باتفاق واحد أو قرار دولي حاسم، بل هي نتاج تفاعل طويل بين عوامل داخلية وإقليمية ودولية، تجعل من إدارتها عملية معقدة تتطلب توازنًا دقيقًا بين الردع والدبلوماسية. في المحصلة النهائية، تكشف الأزمة الإيرانية عن مأزق أعمق يواجه النظام الدولي في مرحلة التحول الراهنة. فهي تعكس تراجع قدرة القوى الكبرى على فرض قواعد مستقرة لإدارة الصراع، وصعود فاعلين إقليميين يمتلكون القدرة على المناورة خارج الأطر التقليدية للقوة. وإيران، في هذا السياق، ليست مجرد طرف في أزمة ممتدة، بل مرآة لتحولات عالمية أوسع تؤكد أن الصراعات القادمة لن تُحسم بالحسم العسكري أو الدبلوماسي وحده، بل بإدارة معقدة للتوازنات، وحدود القوة، وحسابات الردع في عالم لم يستقر بعد على نظام دولي جديد.