
aljazeera.net · Feb 17, 2026 · Collected from GDELT
Published: 20260217T121500Z
لم يكن شيء مما حدث في سوريا متوقعًا ولا مُتخيلًا في أكثر السيناريوهات تطرفًا، عندما بدأت عملية "رد العدوان" العسكرية، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بقيادة هيئة تحرير الشام وبشراكة جميع الفصائل العسكرية الإسلامية الأخرى وفصائل الجيش الحر، وانتهت في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بإسقاط نظام الأسد الذي روَّع السوريين لأكثر من خمسة عقود.بالرغم من أن سقوط النظام شكَّل حدثًا سوريًّا تاريخيًّا فارقًا ستمتد آثاره لعقود طويلة، فإن دلالاته الأعمق تكمن في تحولات الحركة الإسلامية نفسها في هذا البلد، ومن المتوقع أن تكون أبعد من ذلك بكثير؛ فقد شكَّلت سوريا مختبرًا لجميع الحركات الجهادية التي وفدت إليها من أنحاء العالم، وهي المرة الأولى التي تصل فيها حركة جهادية إلى موقع السلطة عبر القوة المسلحة في سوريا وتحظى بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق، وهو يعكس التحولات في المنطقة، والتحول الذي أصاب الجهادية السلفية في سوريا على الأقل. ولن يبقى في سوريا ما حدث فيها، لطبيعة الوضع الجيوسياسي في سوريا، وطبيعة موقع سوريا (الشام) في المخيلة الإسلامية.اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2حافة الحرب: الحسابات الأمريكية والإيرانية في المفاوضات الجديدةlist 2 of 2الدليل الأمريكي لتغيير الأنظمةend of listطوال سنوات الحرب (2011–2024)، كانت خارطة القوى والجماعات الإسلامية غير مستقرة، لكنه في السنوات الأخيرة صار واضحًا أن الجهادية السلفية العابرة للحدود انحسرت تقريبًا انحسارًا شبه كامل في سوريا، فيما زاد حضور النزعة المحلية لدى الفصائل العسكرية الإسلامية.وقد لعبت عوامل عدة في تحويل النزعة المحلية إلى فاعل مؤثر، منها التنافس على الموارد والنفوذ، وبالتأكيد الأساس السياسي للأحداث في سوريا الذي جذب الجماعات الإسلامية المختلفة -والجهادية منها على وجه الخصوص- للانخراط في الأحداث، وكذلك الأصول الاجتماعية لأعضائها. وفي نهاية عام 2024، كانت الخارطة تضم قوى إسلامية محلية من خلفية جهادية تحمل مشروع "دولة سُنِّية" لمواجهة المشروع الإيراني وتمارس حكمًا محليًّا، وقوى وطنية ينحدر قسم لا بأس به منها من سلفية محلية أو صوفية شعبية، فيما ظل تأثير التنظيمات الإسلامية السياسية محدودًا. وعلى الرغم من وجود تنظيمات إسلامية سياسية ناشئة، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين بقيت هي القوة السياسية الأهم، وتكاد تكون الوحيدة التي لها حضور ملحوظ، في حين طوَّرت جماعات الإحياء الديني هياكلها وبدت في السنوات الأخيرة أكثر شعبيةً ونفوذًا، ولاسيما المجلس الإسلامي السوري وروابط علماء الدين، وتعدَّى نشاطها الإحياء الديني إلى المجال السياسي والتأثير فيه. إعلان لقد أدى انتقال "هيئة تحرير الشام"، بوصفها التعبير الأبرز عن السلفية الجهادية المتحولة، إلى موقع إدارة الدولة إلى تحولات جذرية في تفكيرها الإستراتيجي وفي ممارساتها السياسية والتنظيمية.وقد أثار هذا التحول غير المتوقع أسئلة جديدة لدى الباحثين في مجال الحركات الإسلامية والحركات الجهادية بوجه خاص؛ إذ يمكن اعتبار ما جرى بمنزلة "صدمة تحليلية" تدفع إلى إعادة التفكير في ديناميات العلاقة بين الأيديولوجيا والبنية الاجتماعية والسياسية للحركات السلفية الجهادية، والبحث عن آليات منهجية أكثر قدرةً على فهم الظاهرة والتنبؤ بها.وبالنظر إلى تعقيد المشهد السوري، فإن هذه الورقة تحاول فهم المشهد كاملًا والتفاعل بين التيارات المختلفة في السنوات الأخيرة، لتفسير التحولات التي حدثت منذ سقوط نظام الأسد في عملية عسكرية خاطفة، وستركز الورقة على ثلاثة أنماط من التنظيمات الإسلامية: الجهادية السلفية، والإسلام السياسي، والإحياء الديني. وبالنظر إلى أن السياق والأحداث كانا يتركان آثارهما على كل تغير في هذه التنظيمات، فقد أوْلت الورقة هذا السياق اهتمامًا ملحوظًا لتحولات الإسلاميين في سوريا.قوات الحكومة السورية تسيطر على مخيم الهول الذي يضم معتقلين تابعين لداعش بما يشير الى نهاية التنظيم (غيتي)أولًا: التيارات الإسلامية عشية سقوط النظامفي مقابل صعود أشكال أكثر براغماتية من الحركات الإسلامية المسلحة، ظلت الأحزاب السياسية الإسلامية تتبنى خطابًا تقليديًّا ينتمي إلى حقبة ما قبل الثورة وإلى سنوات الصراع مع نظام الأسد، والمقصود هنا على وجه الخصوص جماعة الإخوان المسلمين والحزب التابع لها "وعد". في حين كان يتطور الخطاب السياسي للجهادية السلفية ويعكس التحولات العميقة من حوله.وتكَشَّف في نهاية المطاف عن خطاب سياسي محافظ بملامح وطنية وليبرالية في الاقتصاد والسياسة، يستوعب إلى حدٍّ كبير متغيرات العالم وآثار الحرب على البلاد، مع الحفاظ على العقيدة السلفية الجهادية للتحشيد والتعبئة.ومن المهم فهمُ هذه التحولات لفهم كيف صارت تفكر وتعمل هذه التنظيمات الآن وما الديناميات التي تتحكم بها، وكيف تكيفت مع تحولات الوضع السوري. الجهادية السلفية المتحولة إن تاريخ تشكل جبهة النصرة وعلاقتها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق كُتب فيه الكثير من الأبحاث، غير أن التغير والتطور في الجبهة لا يزال يحتاج مزيدًا من الفحص والتفسير، سواء ذلك المتعلق بدور قيادة التنظيم أو بالبنية الهيكلية أو بالأصول الاجتماعية لأعضائه أو بالسياق السياسي والصراع العسكري الذي دار في سوريا وغيرها.وثمة العديد من الاستنتاجات حول هذا التنظيم بات كثير منها اليوم بحاجة إلى إعادة النظر. لقد تمثلت إحدى محطات تحولات جبهة النصرة في إدراجها على القوائم الأمريكية للإرهاب، في 11 ديسمبر/كانون الأول 2012، ثم إدراجها على القوائم الأممية، في 13 مايو/أيار 2023.ولم تكن هذه التصنيفات مجرد إجراءات قانونية، بل شكَّلت ضغوطًا دفعت التنظيم نحو إعادة النظر في بنيته وخطابه وخياراته الإستراتيجية. وسعى قائد النصرة، أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، إلى تجنب المصير الذي لحق بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) عبر عدة خطوات: إعلان أ. إعلان القطيعة التنظيمية مع تنظيم القاعدة وتشكيل تنظيم جديد باسم "جبهة فتح الشام" (يوليو/تموز 2016).ب. الانتقال التدريجي من الخطاب الجهادي السلفي العابر للحدود إلى صيغة جهادية محلية أكثر مرونة وأقرب إلى الخطاب الوطني، وإعادة تسمية التنظيم مرة أخرى والتخلي عن تعبير "الفتح" (Conquest) الذي يحمل دلالات تاريخية مرتبطة بالغزو وحالة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، إلى "هيئة تحرير الشام" (يناير/كانون الثاني 2017)، وتحويل التنظيم ليصبح مظلة تحالف تستوعب فصائل أخرى من المعارضة المسلحة، بما فيها بعض مكونات الجيش الحر.ومع ذلك، ليس بالإمكان فهم هذه الخطوات فقط من منظور الضغوط الخارجية والقلق من مصير القاعدة في أفغانستان أو تنظيم داعش في سوريا والعراق؛ فقد كشفت التطورات الأيديولوجية اللاحقة أن الأيديولوجيا السلفية ذاتها لم تكن متجذرة بما يكفي في زعيم النصرة. كان هناك مزيج فاعل ومؤثر من العقائد القومية والوطنية عَزَّز في مجموعه النزعة المحلية.كما أن الهدف النهائي للنصرة، الذي تم التعبير عنه في خطابات أبي محمد الجولاني في مناسبات عدة، لم يكن خارج الحدود السورية؛ بل إن جزءًا رئيسيًّا من الخلاف بين الجولاني وزعيم تنظيم الدولة آنذاك، أبو بكر البغدادي، يرجع إلى الخلاف حول تنفيذ عمليات خارج الحدود السورية؛ ما يعكس أن النزعة المحلية كانت أصيلة فيه.كما أن الخلفية الشخصية والتكوين السياسي والاجتماعي لـ"الجولاني"، تساعد على تفسير هذه النزعة المحلية التي كانت سببًا جوهريًّا للانفصال عن تنظيم الدولة.الرئيس السوري أحمد الشرع من الثورة إلى الدولة (الفرنسية)وكان الهدف الرئيس له بحسب تعبيره هو: "العمل على التوحد مع الفصائل لـرصِّ صف المجاهدين"، لنتمكن من "تحرير أرض الشام" والقضاء على "النظام وأعوانه"، و"عدم استخدام الشام كقاعدة انطلاق لهجمات غربية وأوروبية كي لا نشوش على المعركة الموجودة".شكَّلت هذه التحولات مسارًا إستراتيجيًّا هدفه النهائي إعادة تأهيل "الهيئة" دوليًّا، أو على الأقل منع استهدافها المباشر عبر حملات دولية مشابهة لتلك التي قضت على تنظيم الدولة في الحد الأدنى.فقد أدرك "الجولاني" أن الاستمرار في الصيغة الجهادية العابرة للحدود يضع التنظيم في مواجهة استنزافية لا يمكن تحملها، بينما يفتح خطاب "الاعتدال النسبي" والتموضع المحلي مجالًا أوسع للبقاء والتفاوض مع الفاعلين الإقليميين والدوليين.هذه التحولات لم تمر دون آثار؛ فقد قاد إعلان الانفصال عن القاعدة إلى انشقاق المقاتلين الأجانب وتأسيس تنظيم "حراس الدين" فرعًا للقاعدة في سوريا، الذي سرعان ما تحول إلى تهديد داخلي مباشر للهيئة؛ ما دفع "الجولاني" إلى العمل على تفكيكه بصورة منهجية، وتفكيك شبكات المقاتلين الأجانب في إدلب أيضًا، للحدِّ من قدرتهم على تحدي سلطة الهيئة، في الوقت الذي كان فيه في مواجهة مستمرة مع تنظيم الدولة الذي حاول التغلغل في مناطق نفوذه، ونجح في نهاية المطاف في تعزيز صورة الهيئة كقوة محلية ليس لها امتداد مع الحركة الجهادية العابرة للحدود.وعملت هيئة تحرير الشام على ترسيخ سلطة أمر واقع أقرب إلى نموذج الحكم المحلي المدني، وقد اقتضى منها ذلك مرونةً وأنظمة حكم شبه دولتية، عبر تشكيل حكومة "الإنقاذ" التي أدى المنشقون من أجهزة الدولة دورًا بارزًا فيها.أسهمت هذه الإكراهات، كما الضغوط الخارجية، فضلًا عن الخشية من أن تلقى مصير "داعش"، في تحويل التحولات التي شهدتها هيئة تحرير الشام إلى وقائع ثابتة.فإلى جانب العمل على تفكيك التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، عملت هيئة تحرير الشام على تفكيك الفصائل السورية الأخرى، سواء تلك التي تشكِّل منافسًا لها مثل حركة أحرار الشام، أو تلك التي تمثل تنظيمات محلية محدودة القوة. وخلال سنوات ما بين 2015 وحتى 2021 استطاعت تفكيك معظم هذه الفصائل في إدلب. إعلان كانت فكرة "الجولاني" آنذاك أن مواجهة النظام تتطلب قوة مركزية، وأن أساس ضعف الفصائل يرجع إلى تشرذمها ومصادر تمويلها الخارجية، وقد كرر ذلك في أكثر من مناسبة؛ ما جعل توحيد الفصائل وتشكيل سلطة مركزية وتحقيق استقلال مالي هاجسًا لهيئة تحرير الشام بعد ظهور معالم الاستقرار في إدلب واستتباب السلطة المحلية بيدها.كانت فكرة التوحيد تهدف في الأساس إلى حماية "المناطق المحررة" أولًا؛ إذ كان التهديد من قبل الروس وقوات نظام الأسد وحلفائه تهديدًا يوميًّا مستمرًّا، خصوصًا مع خرق اتفاقات تخفيف التصعيد، وبشكل خاص اتفاق M4–M5 الذي منح تركيا نقاطًا عسكرية للمراقبة، وسمح بتعزيز الاستقرار نسبيًّا في إدلب ومناطق سيطرة المعارضة في الشمال.وفي حين اندمجت التنظيمات السلفية المحلية الأخرى مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام وصقور الشام في الجيش الحر وتبنَّت الخطاب الوطني بالكامل، لم يمنع ذلك من حدوث انقسامات في هذه التنظيمات بين مجموعات رأت مصلحتها في الانضمام إلى هيئة تحرير الشام ومشاركتها الموارد مع الاحتفاظ بحدٍّ أدنى من الاستقلال، وبين مجموعات أخرى رأت مصلحتها في الانخراط التام في تنظيمات الجيش الحر، مثل الجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير، خشية ابتلاعها.فشلت الدعوات التي أطلقتها الهيئة لإنشاء مجلس عسكري مشترك يوحد القوى العسكرية تحت مظلة مركزية، ولعبت عوامل عديدة في هذا الفشل، منها وجود أطراف خارجية مؤثرة مثل الحليف التركي، الذي يمثل أيضًا طرفًا في ضمان تنفيذ اتفاق خفض التصعيد. قاد هذا الفشل الهيئة إلى محاولة مواصلة توحيد الفصائل بالقوة وفرض الوقائع على الأرض التي تُجبر الجميع على التعامل معها كحقائق.اغتنم "الجولاني" فرصة خلاف في مدينة الباب مع الجبهة الشامية وحلفائها نتيجة اغتيال أحد الناشطين الإعلاميين (الإعلامي محمد أبو غنوم وزوجته)، وأطلق حملة عسكرية، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، للقضاء على فصائل من الجيش الوطني (جيش حر) في مناطق تقع تحت النفوذ التركي (منطقتا درع الفرات وغصن الزيتون أساسًا)، لكن تدخل القوات التركية حال دون نجاح المحاولة. انتهت التنظيمات الجهادية السلفية العابرة للحدود في سوريا أو أصبحت ضعيفة للغاية، وإن ظلت بقايا تنظيم "حراس الدين" (القاعدة) موجودة على شكل أفراد متناثرين في إدلب تحت الضغط والتهديد المستمر والمراقبة.وضمت الهيئة ما